أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
72
العقد الفريد
منهم ممن يصيب ذلك الشراب يقولون : شربنا طلاء ، فلا بأس علينا في شربه ! ولعمري فيما قرّب مما حرّم اللَّه بأسا ، وإن في الأشربة التي أحل اللَّه ، ومن العسل والسويق ، والنبيذ والتمر ، لمندوحة عن الأشربة الحرام ، غير أن كل ما كان من نبيذ العسل والتمر والزبيب فلا ينبذ إلا في أسقية الأدم التي لا زفت فيها ، ولا يشرب منها ما يسكر ! فإنه بلغنا أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم نهى عن شرب ما جعل في الجرار والدّباء والظروف المزفتة ، وقال : « كل مسكر حرام » ؛ فاستغنوا بما أحلّ لكم عما حرّم عليكم ؛ وقد أردت بالذي نهيت عنه من شرب الخمر وما ضارع الخمر من الطلاء ، وما جعل في الدباء والجرار والظروف المزفتة ، وكل مسكر - اتخاذ الحجة عليكم ؛ فمن يطع منكم فهو خير له ، ومن يخالف إلى ما نهى عنه نعاقبه على العلانية ، ويكفينا اللَّه ما أسرّ ، فإنه على كل شيء رقيب ؛ ومن استخفى بذلك عنا فإن اللَّه أشد بأسا وأشد تنكيلا ! » . احتجاج المحلين للنبيذ كله قال المحلّون لكل ما أسكر كثيره من النبيذ : إنما حرّمت الخمر بعينها ، خمر العنب خاصة ، بالكتاب ، وهي معقولة مفهومة ، لا يمتري « 1 » فيها أحد من المسلمين ، وإنما حرمها اللَّه تعبّدا ، لا لعلة الإسكار كما ذكرتم ، ولا لأنها رجس كما زعمتم ؛ ولو كان ذلك كذلك لما أحلها اللَّه للأنبياء المتقدمين ، والأمم السالفين ، ولا شربها نوح بعد خروجه من السفينة ، ولا عيسى ليلة رفع ، ولا شربها أصحاب محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم في صدر الإسلام . وأما قولكم إنها رجس ، فقد صدقتم في اللفظ وغلطتم في المعنى ؛ إذا كنتم أردتم أنها منتنة ؛ فإن الخمر ليست منتنة ، ولا قذرة ولا وصفها أحد بنتن ولا قذر وإنما جعلها اللَّه رجسا بالتحريم ، كما جعل الزنا فاحشة ومقتا « 2 » ، أي معصية وإثما
--> ( 1 ) يمتري : يجمع الميرة : وهي الطعام يجمع للسفر ونحوه . ( 2 ) المقت : البغض الشديد .